وهبة الزحيلي

97

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

وبالرغم من وضوح أمر عيسى وأنه عبد اللّه ورسوله ، اختلفوا فيه ، كما قال تعالى : فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ ، فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ أي اختلف قول أهل الكتاب في عيسى بعد بيان أمره ووضوح حاله وأنه عبد اللّه ورسوله ، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ، فاليهود قالوا : إنه ولد زنى ، وإنه ساحر ، وكلامه هذا سحر ، وإنه ابن يوسف النجار ، واختلفت فرق النصارى فيه ، فقالت النسطورية منهم : هو ابن اللّه ، وقالت الملكية : هو ثالث ثلاثة ، وقالت اليعقوبية « 1 » : هو اللّه تعالى . فعذاب شديد لهؤلاء الكافرين المختلفين في أمره ، من شهود يوم القيامة ، وما فيه من الحساب والعقاب ، حيث يشهدون حينئذ ذلك اليوم العظيم الهول . وهذا تهديد ووعيد شديد لمن كذب على اللّه ، وافترى وزعم أن له ولدا ، ولكن اللّه تعالى أنظرهم إلى يوم القيامة ، وأجّلهم حلما وثقة بقدرته عليهم ، فإنه الذي لا يعجل على من عصاه ، كما جاء في الصحيحين : « إن اللّه ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته » ثم قرأ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى ، وَهِيَ ظالِمَةٌ ، إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [ هود 11 / 102 ] . و في الصحيحين أيضا عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أنه قال : « لا أحد أصبر على أذى سمعه من اللّه ، إنهم يجعلون له ولدا ، وهو يرزقهم ويعافيهم » وقد قال اللّه تعالى : وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها ، وَهِيَ ظالِمَةٌ ، ثُمَّ أَخَذْتُها وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ [ الحج 22 / 48 ] وقال تعالى : وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ، إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ [ إبراهيم 14 / 42 ] .

--> ( 1 ) النسطورية : نسبة إلى عالم يسمى نسطور ، والملكية أو الملكانية : نسبة إلى الملك قسطنطين الفيلسوف العالم ، واليعقوبية : نسبة إلى عالم يسمى يعقوب .